فخر الدين الرازي

161

الأربعين في أصول الدين

أما العقل : فهو أنه تعالى لا بد وأن يكون في حيز وجهة . وإذا ثبت هذا ، وجب أن يكون في جهة الفوق . أما المقام الأول : وهو أنه تعالى في الحيز والجهة ، فاحتجوا عليه بوجهين : الأول : ان كل موجودين . لا بد وأن يكون أحدهما ساريا في الآخر ، كالعرض الساري في الجوهر ، أو يكون مباينا عنه بالجهة ، كالجسمين . والعلم بذلك ضروري . والثاني : ان الجسم مختص بالحيز والجهة . وانما كان كذلك ، لأنه قائم بالنفس . واللّه - تعالى - يشاركه في كونه قائما بالنفس ، فوجب أن يكون مشاركا له في الحصول في الجهة . وأما المقام الثاني : وهو أنه تعالى لما ثبت أنه يجب أن يكون في الجهة . ونقول : يجب أن تكون تلك الجهة هي جهة فوق فيدل عليه وجهان : الأول : ان أشرف الجهات جهة فوق ، وتخصيص أشرف الجهات بأشرف الموجودات ، هو المناسب المعقول . والثاني : ان الخلق بمجرد طباعهم وقلوبهم السلمية يرفعون الأيدي إلى جهة العلو ، عند الدعاء والتضرع . وذلك يدل على أن فطرتهم تشهد بأن معبودهم في جهة العلو . وأما النقل : فهو الألفاظ الموهمة لاثبات الجهة . كقوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 7 » وقوله تعالى : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ « 8 » : وقوله تعالى : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ « 9 »

--> ( 7 ) طه 5 ( 8 ) الأنعام 61 ( 9 ) النحل 5